ابن كثير
57
البداية والنهاية
فضيق على الناس في المياه والميرة ، فمات بسبب ذلك ستة آلاف من حجيج العراق ، وكان فيما ذكروا يأمر غلمانه فتسبق إلى المناهل فيحجزون على المياه ويأخذون الماء فيرشونه حول خيمته في قيظ الحجاز ويسقونه للبقولات التي كانت تحمل معه في ترابها ، ويمنعون منه الناس وابن السبيل ، الآمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ، فلما رجع مع الناس لعنته العامة ولم تحتفل به الخاصة ولا أكرمه الخليفة ولا أرسل إليه أحدا ، وخرج من بغداد والعامة من ورائه يرجمونه ويلعنونه ، وسماه الناس صدر جهنم ، نعوذ بالله من الخذلان ، ونسأله أن يزيدنا شفقة ورحمة لعباده ، فإنه إنما يرحم من عباده الرحماء . وفيها قبض الخليفة على وزيره ابن مهدي العلوي ، وذلك أنه نسب إليه أنه يروم الخلافة ، وقيل غير ذلك من الأسباب ، والمقصود أنه حبس بدار طاشتكين حتى مات بها ، وكان جبارا عنيدا ، حتى قال بعضهم فيه : خليلي قولا للخليفة وانصحا ( 1 ) * توق وقيت السوء ما أنت صانع وزيرك هذا بين أمرين فيهما * صنيعك يا خير البرية ضائع فإن كان حقا من سلالة حيدر ( 2 ) * فهذا وزير في الخلافة طامع وإن كان فيما يدعي غير صادق * فأضيع ما كانت لديه الصنائع وقيل : إنه كان عفيفا عن الأموال حسن السيرة جيد المباشرة فالله أعلم بحاله . وفي رمضان منها رتب الخليفة عشرين دارا للضيافة يفطر فيها الصائمون من الفقراء ، يطبخ لهم في كل يوم فيها طعام كثير ويحمل إليها أيضا من الخبز النقي والحلواء شئ كثير ، وهذا الصنيع يشبه ما كانت قريش تفعله من الرفادة في زمن الحج ، وكان يتولى ذلك عمه أبو طالب ، كما كان العباس يتولى السقاية ، وقد كانت فيهم السفارة واللواء والندوة له ، كما تقدم بيان ذلك في مواضعه ، وقد صارت هذه المناصب كلها على أتم الأحوال في الخلفاء العباسيين . وفيها أرسل الخليفة الشيخ شهاب الدين الشهرزوري وفي صحبته سنقر السلحدار إلى الملك العادل بالخلعة السنية ، وفيها الطوق والسواران ، وإلى جميع أولاده بالخلع أيضا . وفيها ملك الأوحد بن العادل صاحب ميافارقين مدينة خلاط بعد قتل صاحبها شرف الدين بكتمر ، وكان شابا جميل الصورة جدا ، قتله بعض مماليكهم ( 3 ) ثم قتل القاتل أيضا ، فخلا البلد عن ملك فأخذها الا وحد بن العادل . وفيها ملك خوارزم شاه محمد بن تكش بلاد ما وراء النهر بعد حروب طويلة . اتفق له في بعض
--> ( 1 ) صدره في ابن الأثير : ألا مبلغ عني الخليفة أحمدا . ( 2 ) في ابن الأثير 12 / 276 : أحمد . ( 3 ) انظر حاشية 1 صفحة 10 فيمن توفي من الأعيان في سنة 589 ه . أقول وبعد مقتل هزار ديناري ملك بلبان خلاط وقد قتله ابن قلج أرسلان غدرا وطمعا في خلاط . لكن أهلها منعوه منها وأرسلوا يدعون نجم الدين ليملكوه فحضر عندهم وملك خلاط .